أخبار


تاريخ النشر : 09/05/2016

ندوة علمية بمدينة الداخلة حول تدوين التراث الثقافي الحساني الشفهي

شكل موضوع “تدوين الثقافة الشفهية.. أي دروس للثقافة الحسانية؟” محور ندوة علمية، نظمت يوم السبت، بقصر المؤتمرات بالداخلة، ضمن فعاليات الملتقى الدولي الثاني “ملكى الفركان”.
وأكد المتدخلون خلال هذا الندوة أن التراث الثقافي الحساني لا يزال أسيرا للتداول الشفهي وذلك بالرغم من محاولات التدوين التي بدأت تتأسس لدى بعض الباحثين للحيلولة دون اندثاره باعتباره أحد مكونات الهوية المغربية. وأوضحوا أن عملية تدوين هذا الموروث الثقافي الحساني بأشكاله الأدبية والفنية والجمالية، أضحت ضرورة ملحة للإسهام في تحويل الخطاب التراثي من التداول الشفاهي إلى التلقي المكتوب والمصور ليساهم في خلق دينامية تنموية تنخرط في خصوصية المجال بالمناطق الجنوبية للمملكة.
وبهذه المناسبة، تطرق النائب الإقليمي لوادي الذهب، السيد محمد علين أهل بباها، في عرضه، إلى آليات تدوين الثقافة الحسانية محللا السؤال الإشكالي الذي تطرحه عملية التدوين وسبل التعامل مع هذا المكون الثقافي لصون الذاكرة الثقافية الحسانية في مختلف تجلياتها. واعتبر السيد علين أهل بباها، أن صون التراث يعد من المسؤوليات الكبيرة الملقاة على عاتق الأفراد والجماعات، بوصفه مستودعا خصبا وخزانا لمعارف وخبرات وإبداعات كثيرة شاهدة على منجزات وعطاءات السلف، تجمعت وتراكمت لترسم ذاكرة الناس المشتركة. وأوضح النائب الإقليمي في هذا السياق أن عملية تدوين الثقافة والتراث الحساني يتعين أن تتم وفق منهج علمي، أساسه مجموعة من العمليات المتعارف عليها لدى الباحثين والأكاديميين، والمتعلقة أساسا بطرق النشر، وطرق الدعم، وآليات صون والمحافظة على التراث بكل إشكاله الأدبية والفنية والجمالية.
من جهته، شدد السيد فؤاد شفيقي، الإطار بوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، على ضرورة التعامل مع التراث الثقافي الحساني تعاملا منهجيا يقتضي إتباع الأساليب والقواعد والمناهج العلمية للتعاطي مع مادة التراث المعروضة للدراسة، وكذا في إطار من التعامل التكاملي مع هذا التراث في جوانبه الفكرية والنصية، وأيضا في مصادره التي تعالج نواحيه وأزمنته وعلومه المختلفة. وأكد السيد شفيقي أن الحاجة أضحت أكثر من ملحة لتحويل التراث الثقافي الحساني الذي هو عموما تراث شفاهي يستند أساسا على الممارسات القولية والشفهية إلى التداول المكتوب ،المصور والمجسد. واعتبر أن هذه المسؤولية مسؤولية جماعية وانه لابد من مأسسة هذا العمل وانخراط المؤسسات المعنية بالسؤال الثقافي في هذه المسألة الأساسية، مبرزا أن هناك محاولات جنينية بدأت تتأسس وبدأ يتشكل نوع من الوعي لدى بعض الباحثين القلائل الذين تجود بهم المناطق الصحراوية لتدوين التراث الحساني بيد أن هذه المحاولات لا تزال ضئيلة جدا ولا بد من دعمها ومؤازرتها حتى تتسع قاعدة البحث العلمي التي تتناول جانبا من التراث الحساني. وأبرز أهمية انخراط المؤسسات الجامعية وتشجيع الجمعيات المهتمة بالشأن الثقافي وانفتاح المنظومة التربوية على التراث الحساني بكل مشاربه والتفكير في تجميع كل الجهود بما يخدم عملية تدوين التراث الحساني. وأكدت مديرة الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة الداخلة وادي الذهب، في تصريح للصحافة، أنه لتفعيل آليات تدوين التراث الثقافي الحساني، فانه لا بد من إيجاد تصورات عملية وأساليب إجرائية كفيلة بكتابة وإعادة كتابة مكونات هذا التراث عبر جمع المادة التراثية انطلاقاً من تشجيع الباحثين والمهتمين وتحفيزهم على جمع هذا التراث.

وشددت المسؤولة في هذا السياق، على أهمية تحديد إستراتيجية عمل دقيق وممنهج يأخذ بعين الاعتبار بالخصوص تنظيم عملية الجرد والفهرسة وإخضاعها لوتيرة متسلسلة تراعى فيها طبيعة واختلاف مواضيع البحث، و تحديد كيفيات وتقنيات جمع التراث الشفوي منه والمكتوب والمادي ، والقيام بحملات تحسيسية وتوعوية لجمع التراث وخلق جوائز تحفيزية لاقتناء القطع والمخطوطات والأشكال التراثية النادرة. وأوضحت أن “الكلمة شأن مقدس لدى المجتمع الحساني” فهي دليل هويته وعنوان وجوده وأن الحياة وطبيعة العيش في الصحراء يبعثان على الكلام وتكسير الصمت بالمحادثة وتبادل الأخبار والمعلومات حول الأقارب ومضارب الخيام وأحوال المراعي والآبار وبالتالي فان العيش في الصحراء يظل قائما على الاستماع والإصغاء. من جانبه، وفي تصريح مماثل ، أوضح السيد أحمد العهدي إطار بالأكاديمية الجهوية، أن طرح مسألة تدوين هذا التراث تنطلق من وجود حالات التردي والتشويه التي باتت تنخر جسده وترمي به في دائرة الانمحاء والانقراض على ضوء التنميط الذي أتت به العولمة، مؤكدا أن التحريف الذي يتعرض له من خلال تناقله شفهيا بين الأجيال يفرض حمايته وصون وظائفه باعتباره تراثا إنسانيا أصيلا قبل أن يكون مرتبطا بالصحراء.
ودعا السيد العهدي إلى القيام بجرد منهجي شامل لمكونات هذا التراث وفق تقسيم مجالي ونوعي وشرح مضامينه والعمل على صيانته وتسليط الضوء على المتون التراثية الشفاهية الحسانية وإظهار وظائفها المتباينة وإخضاع أي مبادرة عملية تروم دراسة هذا التراث لتقنيات وأساليب المنهج العلمي. وأكد على ضرورة إدماج المحيط السوسيو- ثقافي في عملية تشخيص وجرد هذا التراث وإشراك التلاميذ والطلبة وفعاليات المجتمع المدني من خلال مدهم ببطاقات تعريفية مبسطة لتحسيسهم بأهمية هذا التراث قصد المساهمة في صيانته وتثمينه باعتباره رافدا للهوية المحلية ودرعا واقيا ضد التنميط الثقافي الناجم عن زحف العولمة، مشددا على إحداث مركز علمي يتولى عملية تفسير هذا التراث وإدماج وسائط الاتصال والتكنولوجيات الحديثة في التعريف به وتثمين عناصره ومكوناته واستثمار البحوث العلمية التي تتناوله. كما دعا في هذا السياق إلى إحداث متاحف اثنوغرافية وأثرية تقدم فكرة عن روائع ونفائس ونماذج جمالية وعينات تراثية راكمها المجتمع الحساني وإحداث جمعيات متخصصة تضع ضمن أولوياتها دعم التراث الشعبي الحساني في مختلف المجالات المرتبطة بالمخطوطات والمسموعات والإبداعات البصرية.
يذكر أن الملتقى الدولي الثاني”ملكى الفركان” الذي تنظمه الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بالجهة (من 6 إلى 8 ماي الجاري) تحت شعار “التسامح في الثقافة الحسانية: تربية، ارتقاء وتنمية”، عرف مشاركة وفود عن زاوية الشيخ إبراهيم إنياس بالسنغال، والزاوية التيجانية بموريتانيا، ووزارة الثقافة الموريتانية، والأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين(القطب الجنوبي)، وشهد برنامج ملتقى “ملكى الفركان” الدولي في نسخته الثانية، تنظيم معرض “ملكى الفركان” للثقافة الحسانية، وورشة الكتابة الإبداعية، وحفل توقيع ومناقشة كتاب “إمارة البئر” لمحمد سالم الشرقاوي، وأمسية فنية إبداعية للوفود المشاركة، وندوة حول موضوع :التسامح والثقافة الحسانية”، وأخرى حول “تدوين الثقافة الشفهية..أي دروس للثقافة الحسانية”.
08/05/2016