الخطب الملكية

نص الخطاب الذي وجهه جلالة الملك الى الأمة بمناسبة الذكرى السادسة والعشرین لانطلاق المسیرة الخضراء

“الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وءاله وصحبه.
شعبي العزیز،
في مثل هذا الیوم المجید من سنة 1975 ، عاشت بلادنا الحدث التاریخي العظیم، لانطلاق المسیرة الخضراء المظفرة التي جسدت الالتحام الدائم بین العرش والشعب والتعبئة الوطنیة الشاملة وراء والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني قدس الله روحه الذي جعل منها في الواقع مسیرتین متكاملتین.. مسیرة استكمال وحدة التراب الوطني التي كللت باسترجاعنا لأقالیمنا الصحراویة، ومسیرة
استكمال البناء التنموي والدیمقراطي.
وقد ءالینا على نفسنا منذ اعتلینا عرش أسلافنا المیامین مواصلة استكمال وترسیخ ما حققه والدنا المنعم، طیب الله ثراه، من مكاسب
وطنیة ودولیة في هاتین المسیرتین سائرین على نهجه القویم في اعتماد توطید الدیمقراطیة واللامركزیة والجهویة والتمسك بفضائل الاجماع الوطني حول الوحدة الترابیة والتضامن لتدارك ما فوته الاستعمار على رعایانا الاوفیاء في الصحراء من لحاق بركب
التنمیة الشاملة للمغرب الحر الموحد.
وان من حق الشعب المغربي وهو یحتفل الیوم بالذكرى السادسة والعشرین لعودة صحرائنا الى حظیرة الوطن الام أن یعتز بكون
الجهود الجبارة والحثیثة التي بذلها قد أثمرت منجزات تنمویة هائلة جعلت أقالیمنا الصحراویة تضاهي الجهات المتطورة من ربوع
مملكتنا.
وهكذا عبدت ألاف الكیلومترات من الطرق وزودت تلك الاقالیم بموارد قارة للماء الشروب وجلب المیاه الضروریة للسكان عن
طریق تحلیة میاه البحر وحفر الابار وبنیت موانىء ومطارات متعددة. وتمت كهربة المدن والقرى مع ربطها بالشبكة الوطنیة
وأقیمت وسائل المواصلات السلكیة واللاسلكیة وشیدت المدن والالاف من المساكن على امتداد أقالیم العیون وبوجدور والسمارة
والداخلة وأوسرد. كما بنیت العدید من الموءسسات التعلیمیة، وأطلقت مجموعة من المشاریع الاستثماریة وأحدثت الكثیر من
المقاولات من طرف أبناء المنطقة وشبابها.
وما كان لهذه الجهود التنمویة أن تحقق أهدافها لولا الامن والاستقرار اللذان تنعم بهما هذه الاقالیم بفضل الجهود المستمیتة
والتحصینات الدفاعیة التي قام بها المغرب للذود عن حوزته ونشر الامن والطمأنینة في ربوع صحرائه والتي اضطلعت بها القوات
المسلحة الملكیة والدرك الملكي والامن الوطني والقوات المساعدة المرابطة بهذه الاقالیم بكامل التفاني والاخلاص مما یجعلها تستحق منا ومنك ،شعبي العزیز، كل الاشادة والتقدیر.
شعبي العزیز،
اذا كنا قد تمكنا، بعون الله وتوفیقه، من تحقیق العدید من المنجزات في مسیرة توفیر العیش الكریم والأمن لرعایانا الاوفیاء بأقالیمنا
الصحراویة فإن هنالك الكثیر الذي ما یزال ینتظر منا القیام به.
فما الذي یتعین علینا انجازه بعد أن أرسینا البنیات والتجهیزات التحتیة الاساسیة.. وأي مستقبل نریده لمناطقنا الصحراویة ویتطلع الیه أبناوءها كفیل بجعلها تتبوأ المكانة المتمیزة التي نتوخاها لها في مغرب التنمیة المستدیمة والدیمقراطیة الحقة التي تعتبر الجهویة
إحدى ركائزها الاساسیة..
اننا عازمون على توطید الجهویة بمنظور للتنمیة الجهویة المتوازنةلا یختزلها في مجرد هیاكلها وأبعادها الاداریة والموءسساتیة
والثقافیة بل یعتبرها فضاء خصبا للتنمیة الشاملة والمتواصلة بالجهة ومن أجلها.
وقد ارتأینا أن یكون الشروع في تفعیل هذا المنظور في جهتي جنوب المملكة وشمالها بكیفیة تراعي خصوصیاتهما ضمن مخططات للتنمیة الجهویة المندمجة.
وهكذا، قررنا أن یرتكز المخطط التنموي لاقالیمنا الصحراویة العزیزة الغنیة برجالاتها ونسائها الاوفیاء على تنمیة قطاعات الصید
البحري والاستثمار العقلاني للثروات المعدنیة والصناعة التقلیدیة والسیاحة وتربیة المواشي مع ایلاء كامل العنایة للتربیة والتكوین
والثقافة والبیئة في ارتباط بالتنمیة الاقتصادیة وتشغیل الشباب وكذا توسیع المبادلات التجاریة مع جیراننا الاشقاء في موریتانیا
والبلدان الافریقیة المجاورة.
وسنشرف بنفسنا على تتبع اعداد مشروع مخطط للتنمیة المندمجة للاقالیم الصحراویة حریصین على أن یتم بتشاور واسع وشفاف مع أبناء المنطقة بمجالسها المنتخبة وشبابها وفعالیاتها وجمعیاتها ونخبها الفكریة والاجتماعیة.
وانطلاقا من حرصنا الأكید على أن لا یتحول هذا المخطط الى مجرد مشاریع وقرارات نظریة فاننا سنسهر على حسن اعداده
وضمان وسائل تمویله وتوفیر أدوات تنفیذه وءالیات تقویمه المستمر.
واعتبارا لما نشمل به رعایانا الاوفیاء باقالیمنا الصحراویة من سابغ رضانا وفائق عنایتنا لما أبدوه على مر التاریخ الوطني من
مقاومة للموءامرات الاستعماریة والانفصالیة ومن تشبث بمقدسات وطنهم ووحدته ملتفین حول العرش العلوي المجید فاننا سنجعل من مخطط التنمیة لاقالیمنا الصحراویة مثالا یحتذى به في التنمیة الجهویة المندمجة الرامیة الى توفیر المزید من أسباب العیش
الكریم لسكانها المرابطین فوق ترابهم الوطني واستقبال المستجیبین لدعوة وطنهم الغفور الرحیم.
شعبي العزیز،
لقد جعلنا من التشبث بمبادىء الحوار والاعتدال والسلم وحسن الجوار والاحتكام للشرعیة الدولیة السبیل الامثل للطي النهائي للنزاع
المفتعل حول استرجاعنا المشروع لاقالیمنا الجنوبیة.
وقد أبان المغرب عن حسن نیة وارادة سیاسیة واضحة وقویة للتعاون مع المجتمع الدولي لتجاوز المأزق الذي جعل مخطط التسویة
الاممي غیر قابل للتطبیق بفعل العراقیل التي افتعلها خصوم وحدتنا الترابیة.
وفي هذا السیاق، كان تعامل بلادنا الایجابي مع مشروع الاتفاق الاطار، الذي حظي بتنویه ودعم المجتمع الدولي والذي اقترحه بكل مسوءولیة السید جیمس بیكر الممثل الخاص للسید كوفي عنان الامین العام للامم المتحدة باعتباره فرصة حقیقیة في نطاق المشروعیة
الدولیة لایجاد حل سیاسي نهائي للنزاع المفتعل حول مغربیة صحرائنا.
وان المغرب القوي بقدسیة الاجماع الوطني حول وحدة ترابه الوطني الذي لن یفرط في شبر واحد منه قد قبل هذا الحل السیاسي ما دام یلتزم بالاحترام التام لسیادتنا الوطنیة ووحدتنا الترابیة ویندرج في خصوصیات نظامنا الجهوي واللامركزي المتطور وفي نطاق
احترام المبادىء الدیمقراطیة.
واننا لنتطلع الى أن تتعامل جمیع الاطراف المعنیة بروح ایجابیة مع هذا المسار الذي حظي بالاجماع الدولي آملین أن یمكن من انهاء هذا النزاع المفتعل وخلق مناخ من التعاون والتكامل والصفاء في منطقة المغرب العربي التي ما أحوجها لتعبئة قدراتها ومواردها
المشتركة لرفع ما یواجهها من تحدیات وبناء غد ءامن وأفضل للاجیال الصاعدة.
ومهما كانت تطورات ملف الطي النهائي للنزاع المفتعل حول مغربیة صحرائنا، فان المغرب المتشبث بوجوده على أرضه الواثق
بسیادته علیها سیواصل مسیرة التنمیة الشاملة لاقالیمه الصحراویة معتمدا في ذلك أوسع معاني وممارسات الدیمقراطیة وأعلى
درجات الجهویة واللامركزیة وعدم التمركز وأوثق روابط الوحدة ومقومات السیادة الوطنیة.
فلنستلهم من هذه الذكرى الخالدة روح الالتحام والعطاء المستمر، من أجل مغرب تشكل فیه مختلف جهات المملكة فضاءات دینامیة للتنمیة المستدیمة وممارسة الدیمقراطیة المحلیة وابراز الخصوصیات الثقافیة وتحقیق الازدهار الاقتصادي والاجتماعي في ظل
الوحدة والتضامن سائلین الله أن یمدنا بالعون والسداد في مواصلة مسیراتنا الدیمقراطیة والتنمویة من أجل مستقبل متقدم ومشرق لهذا البلد الامین.
والسلام علیكم ورحمة الله تعالى وبركاته”