الخطب الملكية

نص الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى ال27 للمسيرة الخضراء

” الحمد لله” والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وءاله وصحبه
شعبي العزيز،
نخلد اليوم الذكرى السابعة والعشرين للمسيرة الخضراء المظفرة لا باعتبارها فقط ملحمة تاريخية مكنتنا من استرجاع أقاليمنا الجنوبية الغالية ولكن لكونها تعد أيضا ميلادا لمغرب جديد وكنزا لا ينفد للفضائل الوطنية السامية ومرجعا لاستخلاص العبر النفيسة وذلك ما أراده لها مبدعها والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني قدس الله روحه.
وفي مقدمة ما ورثناه من حنكة جلالته وحكمته العمل بالتشاور الموسع والإقدام على اتخاذ القرار الصائب والشجاع والحزم في القيادة والتنظيم والحرص على التعبئة الشعبية الشاملة في كل القضايا الوطنية.
وهذا ما نسير على نهجه منذ اعتلائنا العرش جاعلين من التنمية الاقتصادية والتضامن الاجتماعي منطلقا لمسيرة جديدة نوطد بها المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي الذي هو خيارنا الثابت والذي لا شيء يمكن أن يجعلنا نحيد عنه لبناء مغرب المستقبل. مغرب الاستقرار والتقدم الوفي لهويته الحضارية المنفتح على عصره الفاعل في محيطه الجهوي والدولي.
ولأجل ذلك يجب أن نظل متشبثين بالروح الوطنية الصادقة التي كان والدنا المنعم طيب الله ثراه يعتبرها نوعا من الوثنية منوهين بكل الذين تحلوا بهذه الروح من أبناء المغرب الأبرار الذين تساموا على جميع الاعتبارات الذاتية والظرفية جاعلين نصب أعينهم المصلحة العليا للبلاد متجندين وراء العرش في قيادته لكسب مسيرة التحرير والوحدة والديمقراطية والتنمية.
ذلكم أن المسيرة الخضراء لم تكن تستهدف استرجاع التراب الوطني المغتصب فحسب بل كذلك تحرير المواطن المغربي في الجنوب من قبضة الاستعمار.
ولهذه الغاية بذلت الدولة جهودا جبارة ومتواصلة على مدى العقود الثلاثة الفارطة مكنت من تحقيق منجزات هائلة في جميع مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتجهيزات الأساسية أتاحت لهذه الأقاليم أن تأخذ مكانة مرموقة ضمن مسار النهوض التنموي الشامل للمغرب.
وقد حرصنا خلال زياراتنا المتوالية لهذه الأقاليم على تجديد العهد برعايانا الأوفياء بها والاطلاع الميداني على أحوالهم وإعطاء الانطلاقة لعدة مشاريع لتنمية الموءهلات البشرية والطبيعية الواعدة للمنطقة.
ولأجل ذلك عملنا على إحداث الوكالة الخاصة لإنعاش وتنمية الأقاليم الجنوبية التي أعدت مخططا للتنمية المندمجة يتضمن مجموعة من المشاريع الطموحة المستجيبة للتطلعات الواقعية لشبابها ولاسيما إيجاد الشغل المنتج والعيش الكريم من خلال عدة برامج استثمارية تشمل جميع القطاعات وخاصة منها توفير السكن اللائق وتعميم التزود بالماء الشروب والكهرباء ومد الطرق وتهيئة مناطق للصناعة والسياحة الشاطئية والإيكولوجية وإعداد التجهيزات اللازمة للنهوض بالصيد البحري، والساحلي منه على وجه الخصوص، وتوسيع الموانئ الرئيسية للمنطقة.
وبهذه المناسبة نأمر بعقد المجلس الإداري للوكالة قصد إقرار تلك المشاريع وتفعيلها في أقرب الآجال موءكدين موصول عنايتنا الفائقة لجعل هذه الأقاليم قطبا للاستثمار ونموذجا للتنمية الجهوية.
وفضلا عن ذلك، فقد وفرنا لرعايانا الأوفياء بهذه الأقاليم ما لا يقدر بثمن ألا وهو الحرية والكرامة ‏والالتحام بالوطن الأم في ظل الأمن والاستقرار معبرين في هذا المقام عن بالغ تقديرنا لما أبانت عنه القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن الوطنيوالقوات المساعدة المرابطة بهذه الأقاليم من إخلاص راسخ وتعبئة مستمرة وتفان موصول.
شعبي العزيز،
لقد كان من شأن إجماعنا الوطني على نهج الخيار الديمقراطي الجهوي وما حققناه من تقدم مشهود به عالميا أن تزايد تجاوب المجتمع الدولي مع وجاهة موقفنا، ‏بإيجاد حل سياسي للنزاع المفتعل حول استرجاعنا لصحرائنا في نطاق احترام سيادة المملكة ووحدتها الترابية. اأمر الذي صار معه مشروع تنظيم الاستفتاء الوارد في مخطط التسوية الأممي متجاوزا لعدم قابليته إطلاقا للإنجاز الفعلي.
وقد تجلت هذه الحقيقة في مضمون القرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن الدولي كما تكرست بالتوافد المتزايد للعائدين استجابة لنداء الوطن الغفور الرحيم الذي ما فتئ يفتح ذراعيه لكل أبنائه المكسرين لأغلال الاحتجاز والقهر ويعتز كل الاعتزاز برجوعهم إلى أحضانه ‏عاملا على تخليص من لازال رهين الأسر المنافي لكل المواثيق الدولية والقيم الإنسانية.
وستظل غايتنا المثلى أن ينعم جميع المغاربة بالحرية والكرامة في التزام تام بواجبات المواطنة وما تقتضيه من مساهمة إيجابية في تقدم بلدهم مفعمين بالثقة في حاضره ومستقبله مستلهمين روح المسيرة الخضراء التي كان سلاحها الإيمان والقرءان. وإننا لنستبشر خيرا باقتران ذكراها الخالدة بحلول شهر رمضان المبارك شهر نزول القرءان الكريم داعين الله عز وجل أن يهله عليك شعبي العزيز باليمن والإسعاد وتوالي الأمجاد وموصول التوفيق والسداد.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.”