الخطب الملكية

نص خطاب صاحب الجلالة بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء

“الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.
شعبي العزيز، نحتفي اليوم بالذكرى الثانية والثلاثين للمسيرة الخضراء، باعتبارها معلمة تاريخية لتلاحم العرش والشعب في التشبث بمغربية الصحراء، عاقدين العزم على جعلها منبعا لا ينضب لترسيخ المواطنة الكاملة ولانخراط كل المغاربة سواسية في بناء مغرب الوحدة والديمقراطية والتنمية.
وإننا لنستحضر، بكل إكبار، الذكرى العطرة لروح مبدعها، والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني خلد الله في الصالحات ذكره، مؤكدين التزامنا بقسمها الخالد ووفاءنا للبيعة المتبادلة مع كل مكونات الأمة، وفي طليعتهم رعايانا الأوفياء من قبائل وسكان الصحراء المغربية.
ونود التنويه بتلاحمهم مع السلطات والقوات الأمنية والعسكرية في حفظ أمنها واستقرارها وحوزتها وبإسهامهم في تقدمها، في ظل مغرب واثق من حقه ودائم الاستعداد لاتخاذ كل المبادرات البناءة لتسوية النزاع المفتعل حول صحرائنا، التزاما بالاتحاد المغاربي ووفاء لحسن الجوار والأخوة بين دوله الخمس وصيانة لاستقرار المنطقة.
ومن هذا المنطلق، عمل المغرب، بنهج تشاوري، محلي ووطني، وإجماع شامل، على تقديم مبادرة شجاعة للحكم الذاتي، مبادرة تستجيب للمعايير العالمية وتحترم الشرعية الدولية وتراعي خصوصيات المنطقة الثقافية والاجتماعية.
وقد أسفرت جهودنا الإيجابية، في بلورتها، بروح المسؤولية والإقدام والواقعية، وكذا المساندة الدولية الواسعة لمبادرتنا البناءة، عن توجه جديد في التعامل الأممي مع قضيتنا المصيرية، توجه صائب، قائم على استبعاد كل المخططات العقيمة السابقة بصفة قطعية، وهو ما تمثل في إصدار مجلس الأمن، بالإجماع، للقرار1754 ، الذي شهد للمبادرة المغربية، دون غيرها، بالجدية والمصداقية.
وانطلاقا من الدينامية التي أفرزتها والتقدير الذي حظيت به، فقد دعا مجلس الأمن الأطراف المعنية للتفاوض من أجل التوصل إلى حل سياسي، توافقي ونهائي، تحت إشراف الأمم المتحدة.
وهو ما انخرط فيه المغرب، بجدية وحسن نية، في جولتي مفاوضات منهاست. وقد تعزز هذا التوجه البناء بدعم قوي، سواء من لدن الجمعية العامة للأمم المتحدة أو من طرف مجلس الأمن، من خلال القرار رقم1783 .
وإن المملكة لمستعدة لمواصلة التفاوض العميق، في انفتاح على كل الاقتراحات البناءة، عاملة على توفير الثقة اللازمة لتسفر المفاوضات، مع كل الأطراف المعنية، عن إيجاد حل نهائي لهذا النزاع المفتعل. كما أننا لن ندخر أي جهد لإنجاحها، غايتنا تفعيل الاتحاد المغاربي وتسخير طاقات شعوبه، لتحقيق التنمية ورفع تحدياته الحقيقية التنموية والأمنية، الجهوية والدولية، في إطار الوئام والتضامن والاندماج.
وكيفما كانت صيغة الحل التوافقي، الذي سينبثق عن التفاوض الجاد، وفق منظور استراتيجي شامل، فإن المغرب، ملكاً وشعباً، لن يقبل إلا بالحكم الذاتي، في نطاق دولته الواحدة الموحدة، ولن يتعامل مع أي طرح مدسوس أو اتجاه ينتقص من سيادة المملكة ووحدتها الوطنية والترابية غير القابلة للمساومة أو التجزئة.
شعبي العزيز، إن المسار الديمقراطي التنموي، الذي نقوده، يتطلب انخراط كل المغاربة، حيثما كانوا، بنفس روح التشبث بالهوية الوطنية والمواطنة الملتزمة. وإن وقوفنا الميداني، وعملنا الدؤوب على توفير العيش الكريم لرعايانا الأوفياء داخل الوطن، لا يعادله إلا عنايتنا الفائقة بشؤون مواطنينا الأعزاء المقيمين في الخارج.
كما أننا حريصون على الاستجابة لمطامحهم المشروعة في تعزيز روابطهم بوطنهم الأم، لاسيما منها العائلية والروحية والثقافية، وذلك ضمن مقاربة شمولية ومتدرجة، هادفة لضمان مشاركتهم الديمقراطية الكاملة في كل مناحي الحياة الوطنية والدفاع عن حقوقهم وكرامتهم في بلاد المهجر.
وفي هذا السياق، قررنا إحداث مجلس لهم، بجانب جلالتنا، يحظى بسامي رعايتنا وتتوافر فيه صفات التمثيلية والفعالية والمصداقية.
ولهذه الغاية، كلفنا المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، بإبداء رأي استشاري في هذا الشأن. ونود الإشادة، في هذا الصدد، بالنهج التشاوري الواسع والعمل الجاد الذي قام به المجلس وخاصة لجنته المختصة، رئاسة وأعضاء، لبلورة تصور عام ومتبصر لهذه المؤسسة.
وقد قمنا بإمعان النظر في توصيته، المرفوعة لجلالتنا، من ثلاثة منطلقات : أولها: اقتناعنا بأن التمثيلية الحقة، إنما تنبع من الانتخاب، الذي سيظل صوريا، ما لم يقم على المصداقية والأهلية والتنافس الشريف وتعبئة مواطنينا المهاجرين.
ويقوم المرتكز الثاني، على استبعاد التعيين المباشر، لأسباب مبدئية، لأن الأمر يتعلق بهيأة تمثيلية، وليس بوظيفة إدارية أو منصب سياسي، لذلك، نعتبر أن الانتخاب يظل هو المنطلق والمبتغى في إقامة هذه المؤسسة.
أما ثالث المرتكزات، فيستند إلى تجاوبنا الموصول مع الآراء الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان اعتبارا لوجاهتها ونزاهتها.
وانطلاقا من الدراسات المعمقة والاستشارات الموسعة، فقد أخذنا بعين الاعتبار، استخلاص المجلس، أنه من المجازفة ارتجال انتخابات عشوائية مفتقرة للضمانات الأساسية، للشفافية والنزاهة والتمثيلية الحقة، اللازمة لبلوغ الغاية النبيلة من قيام هذه المؤسسة المتخصصة في شؤون جاليتنا العزيزة المقيمة بالخارج.
لذلك، ارتأينا اعتماد اقتراح الرأي الاستشاري، لصيغة مرحلية لانتداب هذه المؤسسة في تشكيلتها الأولى التأسيسية، لمدة أربع سنوات. والتزاما بموقفنا المبدئي، فإننا ندعو هذه المؤسسة الجديدة إلى أن تجعل في صدارة أعمالها إنضاج التفكير ووضع الأسس الصلبة لبلوغ الهدف الأسمى للانتخاب الواعي والمسؤول، وتوفير شروط المشاركة الواسعة فيه بدل ركوب الحلول التبسيطية.
وسيراً على نهجنا التشاوري، وتقديرا منا لنزاهة مجلس حقوق الانسان، فقد قررنا تكليفه، من خلال اللجنة المختصة، بأن يرفع لجلالتنا، في أقرب الآجال، مقترحات موضوعية بشأن الشخصيات والجمعيات المؤهلة لعضوية هذه المؤسسة، في التزام بترشيح المشهود لهم بالعطاء والدفاع عن قضايا جاليتنا.
وقد ارتأينا، ضمانا للنجاعة والتفاعل، أن تضم تركيبة هذه الهيأة، أعضاء مختارين، بكامل الشفافية والتمثيلية، يتمتعون بصلاحيات تداولية، علاوة على العضوية الاستشارية للسلطات الحكومية والمؤسسات المعنية بقضايا الهجرة.
وإننا لحريصون على أن تكون هذه التركيبة متوازنة ومنسجمة، تراعي التمثيل المناسب بين النساء والرجال، والجغرافي، وطنيا وجهويا وقاريا. وكذا بين الأجيال الثلاثة بمن فيهم رعايانا الأوفياء من الطائفة اليهودية المغربية.
وسنتوخى في الظهير الشريف، المحدث لهذه المؤسسة، تمكينها من اختصاصات واسعة، تجعل منها قوة اقتراحية، تعنى بكل القضايا والسياسات العمومية التي تهم المغاربة المقيمين بالخارج، ولاسيما منها الدينية والثقافية والمسائل ذات الصلة بالهوية وبالدفاع عن حقوقهم وتعزيز إسهامهم الوازن في تنمية قراهم ومدنهم الأصلية ووطنهم الأم وتوسيع إشعاعه الدولي، وكذا في تمتين روابط وطنهم الأصلي المغرب ببلدان الإقامة.
وإن إحداث هذه الهيأة، التي نعتزم تنصيبها قبل متم السنة الجارية، ليندرج في إطار إعادة التفكير العقلاني والمراجعة الجذرية لسياسة الهجرة باعتماد استراتيجية شمولية تضع حدا لتداخل الأدوار وتعدد الأجهزة، استراتيجية متناسقة تنهض فيها كل سلطة عمومية أو مؤسسة أو هيأة بالمهام المنوطة بها في تكامل وانسجام سواء في حسن تدبير جميع قضايا الهجرة أو في المسار الديمقراطي التنموي الواعد الذي نقوده بحزم وثبات وتفان ونكران ذات.
وسأحرص، شعبي العزيز، على أن تظل روح المسيرة الخضراء خالدة في ذاكرتك الوطنية وعبرة متجددة، ملهمة وموطدة لالتحامك بعرشك ولتعبئتك الشاملة لصيانة وحدتك وسيادتك، شمالا وجنوبا، ولترسيخ الديمقراطية الحقة وإنجاز التنمية البشرية في وطن مهاب بحصن منيع لا يرام وكرامة إنسانية لا تضام، سائلين الله سبحانه أن يديم علينا موصول السداد والالتحام.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته”.